الشيخ محمد هادي معرفة

33

تلخيص التمهيد

على وجه واحد ، ولا يزال البحث مستمرّاً على هذا السرّ الذي هو دليل الإسلام . 1 - ذهب أرباب الأدب والبيان إلى أنّها الفصاحة البالغة والبلاغة الفائقة ، إنْ في بديع نظمه أو في عجيب رصفه ، الذي لم يسبق له نظير ولن يخلفه بديل . قد نضدّت عباراته نضداً مؤتلفاً ، ونظّمت فرائده نظماً متلائماً ، وُضعت كلّ لفظة منه في موضعها اللائق بها ، ورصّفت كلّ كلمة منه إلى كلمات تناسبها وتوائمها ، وضعاً دقيقاً ورصفاً تامّاً ، يجمع بين أناقه التعبير وسلاسة البيان ، وجزالة اللفظ وفخامة الكلام ، حلواً رشيقاً وعذباً سائغاً ، يستلذّه الذوق ويستطيبه الطبع ، ممّا يستشفّ عن إحاطة واسعة ومعرفة كاملة بأوضاع اللغة ومزايا الألفاظ والكلمات والتعابير ، ويقصر دونه طوق البشر المحدود ! قالوا في دقّة هذا الرصف والنضد : لو انتزعت منه لفظة ثم أدير بها لغة العرب كلّها على أن يوجد لها نظير في موضعها الخاصّ لم توجد البتة . 2 - وزادوا جانب أسلوبه البديع وسبكه الجديد على العرب ، لا هو شعر كشعرهم ولا هو نثر كنثرهم ، ولا فيه تكلّف أهل الكهانة والسجع ، قد جمع مزايا أنواع الكلام . فيه إناقة الشعر ، وطلاقة النثر ، وجزالة السجع الرصين ، في حلاوة وطلاوة وزهوٍ وجمال : إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه يعلو ولا يُعلى . كلام قاله عظيم العرب وفريدها الوليد . أو كما قال الراغب : القرآن حاوٍ لمحاسن أنواع الكلام بنظمٍ ليس هو نظم شيء منها . 3 - وتوسّع المحدثون في البحث وراء نظامه الصوتي العجيب : أنغام وألحان تبهر العقول وتُذهل النفوس ، نظّمت كلماته على أنظمة صوتيّة دقيقة ، ورصّفت ألفاظه وعباراته على ترصيفات موسيقيّة رقيقة ، متناسبات الأجراس ، متناسقات التواقيع ، في تقاسيم وتراكيب سهلة سلسلة ، عذبة سائغة ، ذات رنّة وجذبة شعرية عجيبة ، واستهواءٍ سحريّ غريب ! 4 - وأضاف المحقّقون جانب اشتماله على معارف سامية وتعاليم راقية تنبئك عن لطيف سرّ الخليقة ، وبديع فلسفة الوجود ، في جلال وجمال وعظمة وكبرياء ، بما يترفّع كثيراً عمّا راجت في تعاليم مصطنعة ذلك العهد ، سواءٌ في أوساط أهل الكتاب أم الوثنيّين . 5 - وهكذا تشريعاته جاءت حكيمة ومتينة ، متوافقة مع الفطرة ومتوائمة مع العقل